الشيخ عبد الغني النابلسي

256

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فسلام الحقّ على يحيى من هذا الوجه أرفع للالتباس الواقع في العناية الإلهيّة به من سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال تدلّ على قربه من اللّه في ذلك وصدقه ، إذ نطق في معرض الدّلالة على براءة أمّه في المهد ، فهو أحد الشّاهدين ، والشّاهد الآخر هزّ الجذع اليابس فتساقط رطبا جنيا من غير فحل ولا تذكير ، كما ولدت مريم عيسى من غير فحل ولا ذكر ولا جماع معتاد . لو قال نبيّ آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط ، فنطق الحائط وقال في نطقه تكذب ما أنت رسول اللّه ، لصحّت الآية وثبت بها أنّه رسول اللّه ، ولم يلتفت إلى ما نطق به الحائط . فلمّا دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة أمّه إليه وهو في المهد ، كان سلام اللّه على يحيى أرفع من هذا الوجه . فموضع الدّلالة أنّه عبد اللّه من أجل ما قيل فيه إنّه ابن اللّه - وفرغت الدّلالة بمجرّد النّطق - وأنّه عبد اللّه عند الطّائفة الأخرى القائلة بالنّبوّة . وبقي ما زاد في حكم الاحتمال في النّظر العقليّ حتّى ظهر في المستقبل صدقه في جميع ما أخبر به في المهد فتحقّق ما أشرنا إليه . فسلام الحق تعالى على يحيى عليه السلام من هذا الوجه المذكور أرفع ، أي أكثر إزالة للالتباس الواقع في جهة العناية الإلهية ، أي الاعتناء الإلهي الرباني به ، أي بيحيى عليه السلام حيث أقامه اللّه تعالى في مقام الاتحاد الروحاني الحقيقي كعيسى عليه السلام ولكن ستره منه فلم يظهره عليه ، وأظهره على عيسى عليه السلام وهو في المهد بسلامه على نفسه وبعد نبوّته فكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللّه تعالى ، وخلق الطير ونفخ فيه الروح بإذن اللّه تعالى من سلام عيسى عليه السلام على نفسه لظهور معنى الاتحاد فيه الموهم للمعنى الفاسد ، فيحتاج إلى التأويل وعدم كون معناه مقصودا بالذات في وقت صدوره منه وإن كانت قرائن الأحوال من عيسى عليه السلام حين نطق وهو في المهد تدل على قربه ، أي عيسى عليه السلام من اللّه تعالى في ذلك القول وعلى صدقه عليه السلام فيه إذ ، أي لأنه عليه السلام نطق بذلك في معرض ، أي لأجل الدلالة على براءة أمه مريم عليها السلام مما رموها به وهو طفل في المهد فهو ، أي عيسى عليه السلام أحد الشاهدين ببراءة أمه عليها السلام والشاهد الآخر على براءتها هزّ الجذع من النخل اليابس فسقّط بالتشديد ذلك الجذع